السيد محمد تقي المدرسي

42

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

( 4 ) موقف الرسالة من اتجاه علم الكلام بالرغم من أن علم الكلام بهذه الشخصية الثقافية المحددة لم يولد إلا في القرن الثاني من الهجرة ، وعلى يد أتباع الحسن البصري ، إلا أنه لم ينشأ من فراغ ، بل إنه ولد من رحم الثقافات البشرية المتراكمة ، بعد أن لونت بصبغة الأفكار الدينية . ذلك لأن البشر كانوا قبل علم الكلام - ربما بآلاف السنين - يطرحون الأسئلة الحائرة التي تناولها علم الكلام ، ويحاولون حل لغز الإرادة وتأثير الظروف فيها ، وحل لغز العدالة ومسألة الشرور ، وحل لغز العلاقة بين الخالق والمخلوق وغيرها . وكما سبق ، فإن مدرسة الإسكندرية التي شهدت ميلاد الأفلاطونية الجديدة قبل بزوغ فجر الإسلام بقرون عديدة ، طرحت ذات الموضوعات التي حاول علم الكلام ، ثم الفلسفة الإسلامية ، الإجابة عنها . والقرآن الحكيم الذي أوحى به الله على قلب الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليكون للعالمين نذيراً ، إنما جاء لإنقاذ البشر من ضلالاته ، ولكي يهديه إلى الصراط المستقيم . والرسول الأكرم الذي نشر القرآن بكلماته المضيئة ، عالج ذات الموضوعات التي عانى فيها البشر من التيه والضلالة ، ومن السفه أن نقول : إن القرآن أو الرسول لم يقصدا الرد على الأفلاطونية الجديدة أو القديمة أو لم يتناولا مثلًا مسألة الخلق ، أو الإرادة أو ما أشبه ، مما كانت مثاراً للجدل بين البشرية منذ عهد الإغريق ، والأشد سفاهة هو القول بأن القرآن لم يعط حلًا للمشاكل الفلسفية ، وهو الذي تحدى